كوني من المهووسين بالفيزياء النووية و فيزياء الفلك أطالع أحيانا بعض المجلات المتخصصة, لإشباع فضولي حول آخر التطورات الحاصلة في مجالين يلقيان بظلالهما على حياتنا اليومية بكل الطرق المباشرة منها و الغير مباشرة. و منذ مدة بينما كنت أقرأ مقالا عن تقنية جديدة لرصد أجنة النجوم (و هي التكوينات الفلكية السابقة لميلاد النجوم, لا ترى بالأشعة المرئية بل تلتقطها المراصد الحساسة للأشعة تحت الحمراء فقط) سألني زميل لي عن إحدى الصور المرفقة بالمقال, فأجبته بكل عفوية أنها تمثل جنين نجم تم رصده داخل سحابة الغبار الناتجة عن انفجار و “وفاة” النجم السابق . . . لمحت علامات الدهشة على وجهه فبدأت أشرح له دورة حياة النجوم و كيف تموت لتولد من جديد و و و . . . و إذا به يقاطعني قائلا “هذا كذب”. حسننا, أريته المجلة و طلبت منه أن يقرأ ظنا مني أن التهمة موجهة إلي, لكنه أشار بإصبعه نحو المجلة و قال (ثانية) “كل هاذا كذب”(؟؟؟) مقالات و تصريحات من بعض أعتى عباقرة العصر الحالي ينعتها بكل بساطة بالكذب!!! في غمرة ذهولي حاولت أن أفهمه مكانة و منزلة من يتهمهم زورا و بهتانا لكنه قابلني بضحكة ساخرة كأنما يقول “على من تخرف يا هذا؟”, ثم بدأ يطرح علي أسئلة تشكيكية من قبيل “كيف استطاعوا أن يروا داخل النجوم؟” و “كيف استطاعوا أن يعرفوا أن نجما آخر كان هناك و مات؟” و كنت في كل مرة أحاول أن أجيبه بما أسعفتني به معلوماتي المتواضعة في الموضوع, لكنه ما لبث أن حول أسئلته أو بالأحرى صواريخه لتتجه نحو ظواهر طبيعية قطع العلم فيها بادر الشك باليقين منذ عقود مضت و صارت في متناول أطفال الإبتدائي مثل البرق و الرعد و الكسوف و الزلازل و ما شابه ذلك, لينسف أجوبتي حولها بتفسيرات دينية صرفة, أقل ما يقال عنها -مع كامل احترامي لهذه التفسيرات و لأصحابها من علماء الدين الأجلاء- أنه أكل عليها الدهر و شرب, و لم تعد تشبع فضول الباحثين عن العلم, بل إن طريقة طرحه لها ذكرتني بكيفية مواجهة الكنيسة في القرن 16 لكل من يتجرأ على التفكير بطريقة لم تكن هي مصدرها. سألت زميلي هذا -و الدهشة لم تفارق ذهني بعد- أن يخبرني صراحة عن رأيه الشخصي في هذا المجال فكان جوابه بأنه لا يجب البحث في هذه الأمور لأنها من “الغيبيات” و أنه مهما بحثنا لن نجد تفسيرا لها -لا أعلم أين كان في العشرين سنة الأخيرة !!!- و أن ما ورد على لساني ما هو إلا تفسيرات فلاسفة و ملاحدة -و هنا أقتبس من كلامه بلا تصرف و لا تلخيص- أن كل هذه الحقائق العلمية ما هي إلا كذب “يخدعنا به الغرب و أنت بتصديقهم تتخذهم أولياء”. هنا وصل مقياس علامات الإستفهام و التعجب في رأسي إلى حده و كاد ينفجر, و لن أخفي عنكم سرا إن قلت أني أردت أن أضربه بشيء ما على رأسه لعل الإسمنت المسلح الذي يكسو دماغه يتهشم (رغم أني أشك في ذلك فهو حتما ذو صلابة خارقة تجعل الخبراء اليابانيين أنفسهم يقفون مذهولين) . . . تبا كيف يمكن لأبحاث تصرف عليها ملايير الدولارات و يشارك فيها أبرز العلماء و الباحثين من مختلف الجنسيات لا لشيء إلا لكشف لغز كل ما هو مجهول, ليس ذلك فقط بل هي أساس كل اختراع يسهل حياتنا البائسة مهما كان تافها, كيف لها أن تكون كذبا و خداعا يا ترى؟؟ و منذ متى صارت الموافقة على النظريات العلمية دليلا على اتخاذ أصحابها أولياء بل يكاد يجعله شركا بالله ؟؟؟!!!!
قبل أن تتسرعوا في إلقاء الأحكام المسبقة أريد أن أوضح شيئا, زميلي هذا ليس ناسكا يعيش في خيمة وسط المجهول منقطعا عن العالم, و ليس أحد أفراد القبائل البدائية الذين يعيشون في أعماق الأدغال دون أن يروا في حياتهم قطعة بلاستيك أو أنبوب نحاس, هو مثلي و مثلكم, يعيش في بيت به كهرباء و ماء و غاز و حتى الهاتف و الإنترنت, يشاهد القنوات الفضائية على شاشة كريستال عالية الجودة و يهوى ألعاب الفيديو, ليس ممن لم يسعفهم الحظ في إكمال دراستهم فانتهى بهم الأمر برصيد علمي متواضع, بل هو طالب في السنة الرابعة جامعي, يدرس يوميا عن ظواهر لولا الإختبارات الكيميائية و الميكروسكوبات الإلكترونية لما كنا لنفكر في إمكانية وجودها ولو في أكثر أحلامنا تخريفا. لكن لماذا هذا الهجوم الكاسح على شعبة علمية ما فقط لأنها لا توافق ما دأبت عليه التفسيرات الدينية للكون؟ هل كتب على العلم و الدين أن يكونا دائما متناقضين؟؟ أليست معرفة المخلوق (مهما كان هاذا المخلوق من أصغر جسيمة في أنوية ذرات العناصر إلى أكبر مجرة في الكون أو ما يكبرها إن وجد) أفضل دليل على عظمة الخالق؟ أم أنه حكم علينا أن نكتفي بما وجدنا عليه أجدادنا (و هي للأسف الحقيقة المرة رغم أن التعبير ليس أبدا في محله) دون أن نجتهد بأنفسنا و لو قليلا؟؟ لو كانت تلك “غيبيات” حقا فلماذا يحثنا القرآن دائما على التدبر في خلق السماوات و الأرض؟؟ أليس من النفاق أن نأخذ من الآخر ما يفيدنا و نرد عليه ما لا نحتاج (أو هكذا نظن, حتى يثبت العكس) فقط لأن الآخر ليس من ملتنا انطلاقا من مبدأ “ناكل الغلة و نسب الملة”؟؟
لم أكتب كل هذا لأهاجم زميلي أو غيره, بل لأنبه من هذه العقليات الديناصورية التي انتشرت بشكل رهيب في مجتمعاتنا متخذة الدين قناعا تختفي وراءه, بل بالأحرى بطاقة مرور نحو البسطاء لتنثر سمومها عليهم و تسكب “أسمنتها المسلح الخارق لقوانين الفيزياء”في رؤوسهم. ماذا قدمت لنا هته العقليات؟؟ طلاب لا يؤمننون حتى بما يدرسونه في المدارس و المعاهد فما بالك باستعمال هته المعارف لضمان تقدم البلاد و ازدهارها, شباب دون السن القانوني يفتون و بكل ثقة في قضايا لا يتجرأ أعتى علماء الدين إلى التطرق إليها, أشخاص دون أدنى مستوى تعليمي لا هم لهم ولا شغل إلا الإنتشار في بيوت الله, تراهم غالبا حاملين المصحف الشريف يرتلون القرآن, و لكن يا لسلامة الدنيا لو أنهم اكتفوا بذلك, إذ تجدهم تارة يرهقون ذاك الشيخ العجوز بأحكام الوضوء, و تارة أخرى يطردون الأطفال من المساجد أو يسلبونهم أماكنهم في الصف عند الصلاة, و ثالثة يطفئون الأنوار و المكيفات و يغلقون النوافذ و يقطعون الماء عن المصلين و كأن المسجد تحول فجأة إلى ملكية خاصة لا يحق لغيرهم من “عامة المسلمين” التصرف فيها. و الأدهى و الأمر أنهم صاروا بقدرة قادر يتجرأون على الأئمة و الشيوخ, فهذا يتصيد أخطاء الإمام (كما لو أنه وجب على الإمام أن يكون ملاكا معصوما عن الخطأ) و ذاك يحاول توريطه بأسئلة فلسفية لا علاقة لها بالدين إلا عنوانها, و الثالث يدير حلقة رفقة الرابع و الخامس و يرتفع العدد حتى الثاني عشر همهم الوحيد التآمر لسحب “الزربية” من تحت قدمي الإمام فلان فقط لأنه معتدل في أفكاره و طروحاته عكس ما تمليه عليهم عقلياتهم. و لن أفشي سرا إن قلت أن هاته العقليات هي السبب وراء دمار صورة الإسلام و تراجع سمعة المسلم إلى الدرك الأسفل و لا داعي لأن أطيل الحديث إلى مشاكل أخرى أكبر و أخطر قد يطول معها الحديث إلى الأبد فالصورة واضحة وقصدي بلاشك وصل, لكن سأكتفي بالإستدلال برأي أحد الدعاة في أمريكا إذ يقول :”قضية الإسلام مع المسلمين هي قضية رابحة 100% في يد محام فاشل” أو بالأحرى محام ذو تفكير “تمساحي” -إذ أن التماسيح هي الحيوانات الوحيدة التي صمدت في وجه التغير لملايين السنين, تحية خاصة للتمساح- . و في النهاية ألخص المشكلة الأصلية التي أدت بي إلى كتابة هذا المقال بالمقولة الشهيرة لعبقري زمانه ألبرت أينشتاين :”العلم من غير دين أعرج, الدين من غير علم أعمى”.







